إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

عودة القسوس

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عودة القسوس



    العام 1877م ولد عودة القسوس من عشيرة الهلسا ، وكان والده سلمان القسوس رجلاً قروياً بسيطاً عمل في الزراعة وتربية الماشية ، وكان أمياً في عصر أعتبر التعليم فيه غير ميسر، ولا يتماشى مع طبيعة الحياة وصعوبات العيش ، لكن عوده القسوس عرف بالذكاء والفطنة من نعومة أظفاره ، فألحقه والده بمدرسة الروم الارثذوكس في الكرك ، فدرس فيها ،
    وقد تعلم اللغة التركية إلى جانب اللغة العربية وكان متفوقاً في دراسته ،
    ولم يكن في تلك الأيام معاهد عليا قريبة ، وليس في مقدور الجميع السفر إلى الشام أو اسطنبول طلباً للعلم والشهادات الجامعية ، لذا عندما أنهى عودة دراسته في مدرسة الروم الارثذوكس انخرط في سلك الوظيفة الحكومية.
    تم تعيين عودة القسوس حينها في محكمة بداية الكرك ، وهي وظيفة ليست بالسهلة وتعد منصباً محترماً لا يتوفر إلا للقلة المتعلمة ، وكان هذا التعيين عام 1900 م ( سليمان الموسى). واستطاع من خلال وظيفته وانفتاحه على الناس توثيق صلاته مع أبناء مجتمعه ، وقد استمر في هذه الوظيفة حتى العام 1906م ، حيث شكل هذا العام في حياته فاصلة تحول كبير دفعت به إلى الحياة العامة ،
    وإلى آفاق سياسية نضالية كبيرة ، فلقد انتخب عودة القسوس عضواً في المجلس العمومي لولاية سوريا، التي ضمت جل المنطقة العربية بين الحجاز والأناضول، وكانت هذه الخطوة فاعلة في وضع هذا الرجل في بؤرة التواصل الوطني القومي، في خضم تحولات متلاحقة مع دخول الحكومة العثمانية مرحلة التتريك والتمييز العرقي ، أو على أقل تقدير إهمال رعايا الدولة من غير الأتراك، وإثقال كاهلهم بالضرائب والتنكيل بأحرارهم ، وكان من إفرازات هذا الوعي، أن أسهم القسوس في الأحداث القومية والوطنية في أوائل القرن العشرين وتأسيس الإمارة.
    بعد ذلك أصبح عودة القسوس مأموراً لإجراء الكرك، منذ العام 1908 م وحتى العام 1916 م ، ثم أصبح لفترة من الوقت مفتشاً للأعشار ، ودلت هذه المناصب على جدارته في الإدارة وتميزه في العمل، بالإضافة إلى مكانته الاجتماعية والعشائرية ، وقد توضحت معاناة العرب تحت حكم جماعة الاتحاد والترقي، وذراعهم في المنطقة والي الشام جمال باشا السفاح لشدة ما فتك بأحرار العرب، وعلقهم على أعواد المشانق في الساحات العامة ، وهو واقع مهد الطريق أمام قيام الثورة العربية الكبرى، وخلال امتداد جيش الثورة العربية جنوب وشرق الأردن بعد تحرير العقبة ،
    كان كبار رجال الكرك يتواصلون مع جيش الثورة وقادته الهاشميين، ومساهمين في التعبئة والإمداد العسكري ، وهو أمر وصل لأسماع جمال باشا، فألقى القبض على بعض هؤلاء الأعيان، و قام بنفيهم إلى الأناضول في وسط تركيا ، وكان من بينهم عودة القسوس ، وقد طال نفيهم هذا إلى ما يزيد عن العام ، أي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.
    بعد الانتصارات التي حققتها الثورة العربية، وخروج القوات التركية من شرق الأردن ، قام الأمير فيصل من خلال أخيه الأمير زيد بن الحسين، بتشكيل إدارة عربية جديدة في الكرك ، وعين عوده القسوس عضواً في محكمة البداية ومدعياً عاماً ، وقد قام بمهام هذا المنصب حتى تأسيس إمارة شرق الأردن، على يد الأمير عبد الله بن الحسين ، حيث عين عضواً في محكمة الاستئناف بعمان في العام 1921م ، وفي أعقاب أحداث عام 1923م في منطقة البلقاء اتهم بالمشاركة في الحركة العدوان ، وحيث تم عزله ونفيه إلى مدينة جدة لستة أشهر ورافقه في المنفى الشاعر مصطفى وهبي التل وشمس الدين سامي وصالح النجداوي ، وقد كان عوده القسوس منتمياً إلى الحزب الوطني الذي ظهر في تلك الفترة .
    لكن العفو صدر سريعاً فعاد القسوس وعمل في المحاماة ، وفي أول انتخابات تشريعية انتخب نائباً عن الكرك في العام 1929م ، ومن ثم عضواً في المجلس التنفيذي ، وشغل منصب النائب العام حتى العام 1938م، حيث أحيل على التقاعد ، وكانت حياته العملية والسياسية حافلة بالأحداث والمنجزات، التي أهلته للتكريم على كافة الصعد وأعلى المستويات ، فقد حاز على عدد من الألقاب والأوسمة منها : النيشان الرابع المجيدي ، والنيشان الخامس المجيدي وكذلك ميدالية الحرب الفضية ولقب بك من الحكومة العثمانية.
    أما الحكومة الفيصلية في دمشق فقد منحته رتبة قائد ، وخلال خدمته ضمن الحكومة الأردنية حصل على رتبة زعيم فخري، ووسام النهضة من الدرجة الثالثة، ووسام الاستقلال من الدرجة الثانية ، بعد ذلك حاز على لقب باشا من بطريركية الروم الارثذوكس ووسام القبر المقدس من رتبة فارس سنة 1914، ووسام القبر المقدس من رتبة قائد أعظم. وكان من حبه للثقافة والعلوم والتراث، أن قام بتأليف كتاب القضاء البدوي وطبع سنة 1936.
    وفي الثاني من أيلول عام 1943 م توفي عودة القسوس وعاد جثمانه إلى مسقط رأسه الكرك ، رافعاً بذلك راية الفخر والانتماء في سجل ذاكرتنا الوطنية الذهبي.
يعمل...
X