هزاع المجالي .... أيها المؤابي النبيل .... أيها السيد السيف والقصيدة واللحن والخمر المعتق والرؤية القريبة من النبوءة
تجيئ ذكراك التي ماغابت فتبكيك الربابة ويأن الناي حزنا على غيابك
بهاء ذكراك يغمر شيحان بالضوء والشوق وتنهمر دموع الكركيات متدفقة كماء نقي من عين الست ومثل جريان الموج في سيل الكرك

وحين تتذكرك كلية الحقوق في دمشق .. يصدح نشيد ثوارها
( زينوا المرجة والمرجة لينا شامنا فرجة وهي مزينا )
وحين تتذكرك سهول مادبا فارسا غض الاهاب .. تحمحم خيلها وروحها صهيل عامر بالحرية حزنا على غيابك عن الساحات
ويصح فيك القول ( جِيادٌ تَعجِزُ الأَرسانُ عَنها وَفُرسانٌ تَضيقُ بِها الدِيارُ )
ولسوف يستمر لفقدك بكاء الحزن المعتق من كربلاء في قرى الاردن من اقصى نقطة في الشمال الى آخر حدود الكون جنوبا ولسوف يهمي الدمع في مضارب العشاق, وتلتمع سيوف الفرسان وتتردد في أم الحيران أصداء الغناء القديم الجديد بين يدي ذكراك وذاكرة الاردنيين الذين عرفوك والذين سمعوا عنك
وهزاع الذي ( في كُلِّ نَفسٍ ما خَلاهُ مَلالَةٌ وَفي كُلِّ سَيفٍ ما خَلاهُ فُلولُ )
28 آب 1960
صبيحة ذلك اليوم الاغبر .. كان هزاع يفتح ديوانه العابق بروائح الهيل ليستقبل أي مواطن يرغب بطرح قضيته امام رئيس الوزراء .. كانت يد الخسة والغدر قد امتدت الى المكتب لتزرع فيه قنابل الحقد على النبل والشهامة والوفاء وعلى الاردن .. وحين كان ابو امجد يفتح قلبه الطيب ك لمواطنيه الطيبين دوى انفجار دبر بليل ليحمل روح هزاع الى خالقها تاركا الاردنيين في حزن لا ينقطع .. وعلى روابي شيحان وفي سفوح اربد وفي صحراء معان ارتفع النشيج المكتوم احتراما لرجولة الفقيد وشجاعته .. وفي تلك اللحظات كان المغفور له الحسين بن طلال يتفقد المبنى المدمر في شارع السلط ويلم رفات الشهداء قبل ان ينجو من تفجير آخر فشل في استهدافه واستهداف الدور الاردني المعتدل والناضج في منطقة كانت محكومة بالغوغاء والصوت العالي المثقل بضجيج الشعارات الفارغة والتي قادتنا جميعا الى حال من البؤس والتخلف والهزيمة التي لم تتوقف عند حدود خسارة الارض لتتجاوز الى حدود خسارة الثقة بالنفس .
لن ننساك يا أبا أمجد وسنسكب عطر الريحان والشيح والقيصوم والزعتر البري علي ضريحك الآمن تحت سفوح شيحان محميا بذكرى ابن الوليد ومستظلا بطولات الأيوبي في قلعة الكرك عطرا يفوح شذاه إلى قاهرة المعز وهي تصد غزوات الصليبيين ..ودمشق يوسف العظمه وهي تقف شامخة وإن كانت تعرف حجم قدرتها لتقول لغزاتها لا مكتوبة بدم وزير دفاعها.. وغيمه الرشيد وهي تمخر سماء بغداد فيناديها الخليفة أن اذهبي أنى شئت فان خراجك عائد.. وإلى القدس وهي تفرش دحنون روابيها مرحبة بابن الخطاب الذي سرى من مدينة الرسول ليعطي أولى القبلتين الأمان.. وإلى مكة تتجاوب في جنبات حرمها آيات تبعث الطمانينة في قلوب المؤمنين.. وإلى حمراء الاندلس تتمسك بالقول المأثور " لاغالب الا الله"
بورك الدم يا كرك بورك الدم يا كرك .. بورك الدم يا جنوب وبورك الدم يا اردن

ولد الشهيد في اواخر عام 1919 ليتلقى دراسته الابتدائية في ماعين حيث كان مقيما عند اخواله ثم الى مدرسة الربة وبعدها بمدرسة الكرك ثم لانهاء الثانوية العامة في مدرسة السلط الثانوية .
وبعد ذلك عمل في دائرة الاراضي والمساحة ثم كاتبا في محكمة صلح مادبا ولكن طموحه دفعه لدراسة القانون في دمشق ليعود ويعمل في التشريفات الملكية ثم ليكون رئيسا لبلدية عمان رغم صغر سنه ثم وزيرا للزراعة ووزيرا للعدل وبعدها ليفوز في الانتخابات النيابية عن منطقة الكرك لمرتين الاولى عام 1951 و 1954 وخلال هذه الفترة شغل منصب وزارة الداخلية. وشارك في تأسيس الحزب الوطني الاشتراكي، مع آخرين نذكر منهم عبد الحليم الحمود، شفيق ارشيدات، أنور الخطيب، حكمت المصري، كمال منكو، جريس الهلسة، وانتخب هزاع رئيساً للحزب. وقد فصل الحزب رئيسه ، بسبب اشتراكه وزيراً في الحكومة، ولرايه المؤيد لحلف بغداد الذي قال القيادي فيه نعيم عبد الهادي ان قيادته اجمعت على معارضة الحلف، والسبب ان مصر وسوريا كانتا تعارضانه ولا يسمح أن تدخل فيه ضد رغبتهما. وتعهد سليمان النابلسي وشفيق ارشيدات باثارة الشارع إذا لتزم الأمر.

وشكل حكومته الاولى عام 1955 وكانت اقصر الحكومات عمرا اذ لم تدم سوى ستة ايام وكان من بين العاملين معه فيها عباس ميرزا وفرحان الشبيلات و الدكتور جميل التوتنجي والشيح محمد علي الجعبري و حاول خلالها الاستفادة من حلف بغداد عسكريا واقتصاديا لكن ذلك لم يرضي القاهرة الطامحة لطي الزعامات العربية كافة تحت عباءة جمال عبد الناصر الذي اطلق بوقه المسمى احمد سعيد محرضا ضد الاردن وضد هزاع فاستثار ذلك غوغاء الشارع الذين رفض هزاع ان يواجههم الجيش فاستقال تاركا لغيره معالجة الشارع الغاضب ليعود بعدها عام 1959 مشكلا حكومته الثانية التي وافقت على قرار وزراء الخارجية العرب في مؤتمرهم المنعقد في شتورة عام 1960 والذي ينص على ان الفلسطينيين هم اصحاب الحق الشرعي في وطنهم ولهم ان يعملوا على استرداده بمشاركة ومؤازرة الدول والشعوب العربية. وبعد يوم واحد كان هزاع على موعد مع قدره الذي كان عبد الناصر بشره به قبل شهرين .
وقد كان هزاع من اوائل من حذروا من المخاطر التي تهدد مسيرة الوطن من خلال نخر هيبة الحكم وهيكل الدوله محذرا من استغلال بعض المسؤولين لنفوذهم ومن اساءتهم استعمال السلطه الموكلة اليهم لان في ذلك دمارا للدوله
وحمل الشهيد المجالي العديد من الاوسمة والميداليات الوطنية وكان شديدا في الحق وحريصا على مصلحة الوطن والمواطن.
ولعل من الممتع ان نسمع هذه الشهادة عن هزاع من الوكيل المتقاعد زكي يحيى شوقار الذي عمل قبل ستين عاما سائقا خاصا له حين كان رئيسا لبلدية عمان ( في يوم الاستقلال، زار الملك الؤسس مبنى البلدية الكائن في وسط البلد مقابل سوق منكو،ووقف في شرفته لتحية الجماهير،ويومها أوصى هزاع سائقه بشراء حلوى بجنيه ، وزعها على موظفي البلدية ومجاوريها

بورك الدم يا كرك بورك الدم يا كرك .. بورك الدم يا جنوب وبورك الدم يا اردن